الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

426

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

وعملا به بعد التثبت كذا ذكره غير واحد من الأجلاء أقول يرد عليه أن التبين المأمور به في الآية هو التجسس من صدق الخبر وكذبه وهو غير حاصل بهذه الأخبار إذ مفاد هذه الروايات هو العمل بمضمونها وإن لم يطابق الواقع من دون حاجة إلى التعيين والتثبت فمفادها مناف لما دلت عليه الآية الشريفة في الجملة فإن كانت أخص منها عملنا بها وخصصنا الآية من جهتها لكن كما عرفت أعم من وجه حسبما ذكره المورد والتحقيق في الجواب أن يقال إنه ليس حكمنا باستحباب ما دل خبر الفاسق على ترتب الثواب عليه عملا بقول الفاسق ليجب رده قبل التبين وإنما هو من جهة العمل بهذه الأخبار المعتبرة الحاكمة به فيكون مجيء الفاسق بالخبر محصلا لموضوع الحكم الثابت بهذه الأخبار من دون أن يكون هناك اتكال على الفاسق أصلا حسبما قدمنا الإشارة إليه وبالجملة أن الشارع قد طلب منا الإتيان بما بلغنا فيه ثواب وحكم بترتب ذلك الثواب عليه وإن لم يكن الحال على ما بلغنا وقد دلت هذه المعتبرة على صدور ذلك التكليف من الشرع فالحكم بالرجحان فيما نحن فيه من جهة هذه الأخبار دون خبر الفاسق ولذا يثبت الرجحان وإن كان المخبر كاذبا كما هو قضية هذه الروايات فيكون بلوغ الثواب على الوجه المذكور كاذبا سببا لترتب الثواب على الفعل لا كاشفا عن حصوله في الواقع ومبنيا له كما هو شأن الدليل ليكون الاعتماد فيه على الفاسق فليس مدلول هذه الأخبار تصديق الفاسق فيما أخبر به من حكاية الثواب فيه عن المعصوم وإنما دلت على الحكم بترتب الثواب واقعا بسبب بلوغ الخبر إلى العامل ورجحان الفعل بالنسبة إليه وليس في ذلك عمل بقول الفاسق أصلا وبهذا التقرير يظهر أن لا معارضة بين هذه الروايات بالآية الشريفة رأسا ليفتقر إلى بيان طريق الجمع فما ذكرناه أولا من كون المعارضة من قبيل العموم من وجه كان مماشاة مع المورد ومن ذلك يظهر ضعف ما أورده بعض الأجلاء وهو إيراد شائع في المقام من أن أحاديث المطلقة تحمل عندهم على الأخبار المفيدة وتعرض مع هذا على الكتاب فما لم يوافقه منها يقرب به عرض الحائط مع أنه يجب إطراحها أو تأويلها إذا خالفت السنة المقطوع بها والأمور الثلاثة حاصلة في المقام أما الأخبار المقيدة فهي ما دلت على النهي البليغ عن أحد العلوم كلها إلا عن العالم الرباني وأنه لا يؤخذ شيء من العلم من جماهير المخالفين وأن الرشد في خلافهم وكتاب أصول الكافي مشحون بمثل هذه الأخبار وأما الكتاب فقوله عز من قائل يا أيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق الآية ولا شك أن الأحكام المستحبة والمكروهة من أعظم الأخبار لأنها أحكام إلهية وأما السنة القطعية فظاهرة من قطع الأصحاب لنص الأخبار على شهادة الفاسق والتوقف عند إخباره إلا في موارد نادرة ليس هذا منها وحينئذ فيجب علينا أن نقول لهذه الأخبار معنى صحيحا وهو أن معنى من بلغه ثواب من الله المراد به البلوغ والسماع المعتبر من عند الشرع الأقدس وهو أن يكون سماعا ممن يفيد بقوله الظن وما لم يفد العلم انتهى إذ ليس عندنا في الأخبار ما هو أخص من هذه الأخبار ليحمل هذه عليها وما ذكره من الأخبار الدالة على المنع من أخذ العلم إلا عن العالم الرباني فلا دخل له بالمقام إذ لا يعتبر ذلك في الأخذ عن الراوي قطعا ويحتمل أن يراد بذلك الإمام عليه السلام فالمراد به الأخذ عنهم عليهم السلام ولو بالواسطة لا عن مخالفيهم إذ المراد به الأخذ على سبيل التقليد والتعلم من غير أن يكون هو عالما مستنبطا ولو سلم كون المراد به الراوي فالحال فيها كالآية الشريفة ويجري فيها ما عرفت في بيان الحال في مفاد الآية وأما ما دل على المنع من الرجوع إلى كتب المخالفين فبالإلزام به أخذا بتلك الأدلة المعتضدة باعتراض الأصحاب عن الرجوع إلى كتبهم وأخبارهم الموجودة عندهم حسبما يأتي الإشارة إليه ولا يقتضي ذلك بعدم الرجوع إلى سائر الأخبار الضعيفة وأما الكتاب فقد عرفت الحال فيه وأما السنة المقطوعة فإن أراد بها الأخبار المروية فقد عرفت الحال فيها وهو عين ما ادعاه أولا من وجود الأخبار المقيدة وإن أراد بها الطريقة المعلومة من الشرع المأخوذ من الروايات المقررة عند الأصحاب من رد قول الفاسق فإن أراد به قيامها في خصوص المقام فهو في محل المنع بل القول بعكسه أولى حسبما ادعاه أولا من عمل الأصحاب بالأخبار الضعيفة في السنن والمكروهات وإن أرادها في الشهادات ونحوها فهو حق ولا دخل له بالمقام مضافا إلى ما عرفت من الإلزام به والقول بأن الرجوع إليه في المقام ليس رجوعا إلى قول الفاسق وإنما ذلك أخذ بهذه الروايات المعتبرة على ما فصلنا القول فيه وما ذكره في حمل الأخبار فهو تقييد بعيد عن ظواهرها من دون قيام دليل عليه بل لا يلائم سياقها كما عرفت الحال فيها الوجه الثاني التمسك بقاعدة الاحتياط وهو ظاهر فيما إذا دل الخبر الضعيف على وجوب شيء أو حرمته لوضوح أن الاحتياط حينئذ في فعل الأول وترك الثاني ويدل على رجحان الاحتياط فيه العقل والنقل المستفيض بل هو الفرد المتيقن من الأخبار الدالة على رجحان الاحتياط في الدين وأما إذا دل على الاستحباب أو الكراهة فالظاهر أنه كذلك إذ البناء على موافقة أوامر المولى ونواهيه مطلقا قاض بذلك من غير فرق بين كون المطلوب حتميا أو غيره لقطع العقل بأن الباقي على امتثال جميع أوامر المولى وجوبية كانت أو ندبية وترك جميع نواهيه كذلك ينبغي له البناء على ذلك ولذا ترى العقل يقطع بمدح العبد الذي يأتي لكل فعل يحتمل كونه محبوبا لمولاه وترك كل فعل يحتمل كونه مبغوضا له من جهة احتمال كونه محبوبا ومبغوضا والظاهر أن الأخبار الدالة على رجحان الاحتياط دالة عليه أيضا إذ هو احتياط في تحصيل المندوب أو ترك المكروه وهما متعلقا طلب الشرع وإن لم يكن الطلب فيهما مانعا من النقيض فهذه الجهة أعني ملاحظة الاحتياط في أداء ما أراده الشارع من الفعل والترك جهة محسنة للفعل أو الترك بحسب الواقع وإن لم يكن كل منهما في حد ذاته راجحا في الواقع بذلك من الجهات الاعتبارية المحسنة للفعل أو الترك وقد تقرر أن حسن الأفعال وقبحها بالوجوه والاعتبارات وليسا من لوازم الذات والحاصل أن الأخذ في المقام بمقتضى الخبر الضعيف أخذ بمقتضى الاحتياط في الدين والأخذ بمقتضى الاحتياط حسن راجح في الشرع أما الصغرى فقد عرفت الحال فيها وأما الكبرى فلما دل عليه من صريح حكم العقل وما ورد فيه من الأخبار المستفيضة المعتضدة بحكم العقل وتلقي الأصحاب لها بالقبول